الرئيسية » الرد على أهل البدع » ربيع ورسلان وأتباعهما، والتبديع والبُهتان وأضرابهما، والجناية على علم الجرح والتعديل

ربيع ورسلان وأتباعهما، والتبديع والبُهتان وأضرابهما، والجناية على علم الجرح والتعديل

واجهت مِن أصناف المبتدعة الكثير، فلم أر حزبًا كأتباع المدخلي ورسلان امتناعًا عن التفكير، وقلّة في الفهم، وفجورًا في الخصومة، وكذبًا على المسلمين، وإتيانًا لما ينهون عنه، ونشاطًا في أذية المسلمين، ويضاف إليها قلة الأدب وفحش اللسان عند أتباع رسلان. كما ان هذه الفرقة -أعني أتباع رسلان والمدخلي ومن انشقَّ عنهم وبقي على منهجهم- لم يعد أحد يشك بأنهم قطّاع طريق، يقطعون على طلبة العلم طريقهم بالافتراء على أهل العلم مرة، وبإشغال طالب العلم في حروبهم الحزبية وشبهاتهم مرات. وقطّاع رحم، أعني الاخوّة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين، وقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }
 
فترى الشّاب يذكر ربه فينوي الالتزام وطلب العلم، فتخطفه طائفة من هؤلاء تقنعه أن هؤلاء هم أهل السنّة، وهم أتباع السلف الصالح، فإن انضم إليهم، ويسمي نفسه أبو فلانة السلفي، ويتابع دروس أهل العلم، ويدافع عن السنّة؛ وجد نفسه بعد سنين ما فعل إلا أنه دافع عن زعيم الطائفة، وسعى في خراب الأمة، وما اكتسب من العلم إلا كما يكسبه طالب العلم عند أهل العلم الحقيقيين في شهرين. فلات ساعة مندَمِ !
أو لا يخطفونه وإنما يزرعون في قلبه الشبهات ويمنعونه من أهل العلم، ويصرفونه عنهم، حتى يضيع ويتشتت ويمتنع من العلم، أو يلتزم مذهبا باطلا بعيدًا عن تلك الحرب.
وهكذا يقول السبكي: “وإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلم جرا إلى زمان العز بن عبد السلام والتقي ابن الصلاح فإنك إذا اشتغلت بذلك خفت عليك الهلاك” [طبقات الشافعية ج2 ص278]
 
وأذكر في هذا المقام قول ابن القيم رحمه الله، في كلامه عن إبليس الرجيم قال: “فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيي عليه: سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع، والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفائه ليشوش عليه قلبه. ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به.” فانظر ببصرك وبصيرتك مَن جنود ابليس.
 
وقد اشتهر هؤلا بغلوهم المفرط بتبديع من ليس من حزبهم، حتى صار التبديع سمةً لهم، فلقبهم بعض الناس بـ “غلاة التبديع“. يقول جمال الدين القاسمي في هذا الصدد: “من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها وكثر سوادها، لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة؛ لأن التوسط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر” [الجرح والتعديل ]
 
وإن المساكين من الأتباع -وهذا من علامات جهلهم- يظنون أن ما هُم فيه من حرب للمؤمنين، وعداء لأولياء الله؛ أنه علم جرح وتعديل، ويظنون أن طعونات المدخلي وشتائم رسلان هي نتاج كونهما عالمين من علماء الجرح والتعديل. قال الشوكاني “وَأما ذَلِك الْعَالم الْمُحَقق الْمُتَكَلّم بِالصَّوَابِ فبالأحرى أَن لَا ينجو من شرهم وَيسلم من ضرهم وَأما عرضه فَيصير عرضه للشتم والتبديع والتجهيل والتضليل” وهذا وإن قاله في مبتدعة عصره، إلا أنه ينطبق على هذه الفرقة التي تنتسب إلى السلفيّة، وهم أبعد ما يكون عن ورع السلف، وإنصاف السلف، وأخلاق السلف. ومثال على كلامي في تقمصهم دور علماء الجرح والتعديل، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه” [تهذيب التهذيب ج7 ص273] وهذه قاعد مهمة من قواعد الجرح والتعديل، قالها إمام من أئمة السلف، وأئمة الجرح والتعديل. أما هم، فجل طعوناتهم بأهل العلم الثقات تتمثل بأقوال أولها هؤلاء الغلاة على طريقتهم، وكلام من قبيل: “فلان يجالس المبتدعة” و”فلان ترحّم على فلان البتدع” وهكذا، حتى وصل الأمر بأحد كبرائهم “محمد المدخلي” أن يبدّع من دخل مكة ولم يزر ربيعًا المدخلي.
 
يقول جمال الدين القاسمي: “غريب أمر المُتَعَصِّبِينَ وَالغُلاَةِ الجَافِينَ، تراهم سراعًا إلى التكفير والتضليل والتفسيق والتبديع، وإن كان عند التحقيق لا أثر لشيء من ذلك إلا ما دعا إليه الحسد، أو حمل عليه الجمود وضعف العلم” [الجرح والتعديل ص37] وقال الحافظ الذهبي: “ليس كل كلام وقع في حافظ كبير بمؤثر فيه بوجه” [ميزان الاعتدال ج4 ص410]
إلا أن التابع المسكين يسير وراءهم دون هدى، ويتأثر بصوتهم العالي فيظنهم على الحق، وبسبب قلة ما عنده من العلم؛ يغلو فوق غلو قادته بمرّات، ويصبح صوته أعلى من صوت شيخه، فهو متفرغ أكثر منه، وعنده من الجرأة ما ليس عند الشيخ الذي يخشى أحيانا من لوم الأقران والشيوخ والزملاء.
 
وتجد المتأثر بهذا الفكر عنده من الجمود الفكري ما قد يخرج به من الحالة الطبيعية للبشر، فتجده يقدّس أقوال كبرائه لدرجة أنه لا يقبل مجرد التفكير بكونها قابلة للنقد. فتراه انصرف عن أهل العلم الأفاضل، بل ويروّج بنفسه الشبهات حولهم ليصرف الناس عنهم، ويقول أن فلانًا مبتدع، وعلان يقول بكذا، وقوله بدعة، وإذا سألته وجدته جاهلًا لا يعرف شيئًا من السنّة، بل الفاتحة التي يقرأها في صلاته لا يعرف ما فيها، لا يعرف الفرق بين معنى الرحمن ومعنى الرحيم. ولهذا يقول ابن عبد البر في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض: “هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك” [جامع بيان العلم ج2 ص186]
 
ومن العجيب أن أبيات ابن القيم الآتية تطابق تمامًا حال هؤلاء، حين قال:
والثالث الأعمى المقلد ذينك الر … جلين قائد زمرة العميان
في اللعن والتكفير والتبديع والتـ … ـضليل والتفسيق بالعدوان
فإذا هم سألوه مستندا له … قال اسمعوا ما قاله الرجلان
 
فمن العمى والخذلان: الظن أن مجرد تصدر شخص يرمي العلماء بالبدعة؛ أن هذا طعن بالعلماء. قال ابن جرير الطبري: “لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك: للزم ترك أكثر محدثي الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى مايرغب به عنه.” [هدي الساري لابن حجر ص 428]
وقال: “أما التضليل والتكفير والتبديع والتفسيق، فهذا لا يخلو منه عالم يريد أن يخرجَ بالنَّاس من الظلماتِ إِلى النُّورِ.” [كتاب الاستغفار بعد الصلوات ص10]
وعندما تقابل أحد هؤلاء بمثل هذه النقول وغيرها يردّها، ولا يأبه لها، ويمتنع عن التفكير امتناعًا شديدًا، ويرد بكلام مستفزّ لا يتعلّق بالمقام، كقولهم مثلًا: “الشيخ ربيع زكاه أهل العلم“. وهذه العبارة تعتبر سلاحه قبل الأخير، حيث أن الأخير هو الشتم مع ألفاظ تمجيد شيخه، فيقع السنّي في حيرة -حقيقةً- لا يعرف أيردّ على قصة التزكيات التي كانت قبل الانتكاسة، والتي قالها أناس زكوا خصومه، أم تبين له عدم عصمة شيوخه وتظهر له أخطاهم علّه يتخذ قرارًا بالتفكير، أم ماذا تفعل!
ولو أنه فكّر لوجد أن كلام الأئمّة مستقيم، فخذ مثالًا: العلامة ابن الجوزي رحمه الله تعالى، إمام ومحدّث وفقيه، وزّكاه أهل السنّة وغيرهم، وشهد الثقات بأمانته، ومع ذك تكلم في العلامة ابن عبد البر، وبدأ كلامه قائلًا: “ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له: ابن عبد البر، صنف كتاب التمهيد” ثم رماه بالجهل والبعد عن اتّباع الأثر، وأتى ببينة على كلامه -بينة من وجهة نظره-، وذلك في [صيد الخاطر ص99] فهل يشك من عرف قيمة الشيخين أن ابن الجوزي أخطأ في حق ابن عبد البر في هذا التشنيع؟ لا.
وهذا مثال في إمامين مشهورين، والأمثله في غيرهم ممن لم يشتهر عند العوام كثيرة جدًا. فكون عالم قال كرامًا يطعن فيه على آخر، لا يعني بالضرورة أن هذا الكلام حق، بل يقول الإمام الذهبي: “لَسْنَا نَدَّعِي فِي أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ العِصْمَةَ مِنَ الغَلَطِ النَّادِرِ، وَلاَ مِنَ الكَلاَمِ بنَفَسٍ حَادٍّ فِيْمَنْ بَيْنَهُم وَبَيْنَهُ شَحنَاءُ وَإِحْنَةٌ” [السير ج7 ص40] وهذا الكلام يقوله عن أئمة الجرح والتعديل، فكيف بالمنتحلين، والذين لا يفرّقون بين علم الجرح والتعديل والكلام عن البندورة -كما اتضح من كلام رسلان في مقطع رددت عليه فيه-
 
فأختم القول بنصيحة لإخواني ممن تأثر بذلك الفكر السيء؛ بما قاله الحافظ الذهبي، إذ قال: “اسْتَفِقْ، وَيْحَكَ! وَسَلْ رَبَّكَ العَافِيَةَ، فَكَلاَمُ الأَقْرَانِ بَعْضُهُم فِي بَعْضٍ أَمْرٌ عَجِيْبٌ” [السير ج12 ص61]
 

شاهد أيضاً

بطلان خرافة أن الأشاعرة والماتريدية هم السواد الأعظم، واسماء أكثر من 400 عالم يجانبونهم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، كثير من المبتدعة حينما فقدوا …