الرئيسية » عام » مختصر شرح حديث (ما ذئبان جائعان)

مختصر شرح حديث (ما ذئبان جائعان)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أخبرنا شيخنا المحدث محمد بن أبي بكر الحبشي بإسناده إلى الترمذي الذي روى في جامعه برقم 2376 قال: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ) قال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ورواه أحمد في مسنده برقم 15784، والحاكم في المستدرك برقم 5771، وابن أبي شيبة في مصنفه برقم 34380، والنسائي في الكبرى برقم 11796، وابن حبّان في صحيحه برقم 3228، وابن المبارك في الزهد برقم: 181، وغيرهم. وأسانيده متعددة غالبها صحيح.

وري بلفظ: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ ضَارِيَانِ فِي غَنَمٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا بِأَفْسَدَ فِيهَا مِنَ الْتِمَاسِ الشَّرَفِ وَالْمَالِ لِدَيْنٍ الْمُؤْمِنِ) وبه رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم 9787، والضياء في المنتقى برقم 922، واسناده جيد، وفيه زيادة معنى، إلا أن السابق أجود من حيث الإسناد.

وقد شرحه الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي الدمشقي الحنبلي، أبو الفرج المعروف بابن رجب الحنبلي، رحمه الله وألحقه وإيانا بالصالحين.

وهذا ملخص لرسالته النفيسة، أسأل الله لي فيه التيسير.

فهذا مثل ضربه رسول الله ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، دلل فيه أن الفساد الذي يقع على دين المرء بحرصه على المال والشرف، ليس أقل من الفساد الذي يرتكبه ذئبان جائعان ضاريان دخلا حضيرة غنم غاب رعاتها فأكلا وافسدا فيها، فلن ينج من الغنم إلا القليل، وهكذا فلن يسلم من دينه من حب الجاه والمال إلا القليل. ومفهوم هذا الحديث التحذير من هذا الفساد.

 

والحرص على المال نوعان:

الأول: شدة حب المال، مع شدة الحرص على اكتسابه من وجوه مباحة، كما فعل عاصم رضي الله عنه وكان ذلك ورود الحديث، وذلك أنه اشترى مئة سهم من سهام خيبر[كما عند الطبراني في الأوسط برقم 5317]، ووجه الذّم أن في زيادة الحرص على المال انشغال، وإضاعة للعمر والجهد في متاع الدّنيا الزائل، مما يلهيه عن العمل للآخرة.

 

أما النوع الثاني: أن يطلب ذلك المال بوجوه غير مشروعة، أو بامتناعه عن أداء حقوق واجبة، كالزكاة والنفقة على الأهل، وما شاببها، وهذا مِن الشُّح، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقال رسوله ﷺ: (َاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ) رواه مسلم في صحيحه برقم 2578

والشحّ هم رغبة النفس بما لم يبحه الله لها، وعدم القناعة فيما أباحه الله، فهذا مناف للإيمان، ولهذا كان سببًا في استحلال الدماء وقطيعة الرحم، فكانت المعاصي كلها بسبب الشح والبخل كما قال بعض السّلف، ومن هنا نفهم قول رسول الله ﷺ (وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا) [رواه النسائي برقم 3110].

 

أما الحرص على الشرف

فالحرص على الشرف أكثر إهلاكا للعبد من حرصه على المال، بل إن المال يُنفق لطلب الشرف.

والحرص على الشرف نوعان: ما أن يكون في الرياسة والولاية، أو بالدّين.

 

النوع الأول: الشرف بالرساسة والولاية والسّلطان.

وهذا فيه إفساد لآخرة العبد، فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

وفيه إفساد لدنياه، فلا يعينه الله عليها، فقد قال رسوالله ﷺ: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) [رواه البخاري برقم 6622].

وقد ذكر الآجري رحمه الله تعالى في كتابه “أخلاق العلماء” أن من صفات علماء السوء أنه: قد فتنه حب المال والشرف والمنزلة عند أهل الدنيا، يتجمل بالعلم كما يتجمل بالحلّة الحسناء للدنيا، ولا يجمل علمه بالعمل به. [إلى أن قال:] فهذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلب من لم ينتفع بالعلم فبينا هو مقارف لهذه الأخلاق إذ رغبته نفسه في حب المنزلة، فأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا، فأحب أن يشاركهم فيما هم فيه من منظر بهي ومركب هني وخادم سري ولباس ليِّن وفراش ناعم وطعام شهي، وأحب أن يعتنى به، وأن يسمع قوله، ويطاع أمره، فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء فطلبه فلم يمكنه إلا ببذل دينه، فتذلل للملوك وأتباعهم، فخدمهم بنفسه وأكرمهم بماله، وسكت عن قبيح ما ظهر من منازل أبوابهم وفي منازلهم وفعلهم، ثم زين لهم كثيرًا من قبيح فعلهم بتأويله الخطأ ليحسن موقعه عندهم، فلما فعل هذه مدة طويلة واستحكم فيه الفساد ولوه القضاء، فذُبح بغير سكين، فصارت لهم عليه منَّة عظيمة، ووجب عليه شكرهم فآلم نفسه؛ لئلا يغضبهم عليه، فيعزلوه عن القضاء، ولم يلتفت إلى غضب مولاه، فاقتطع أموال اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين وأموال الوقف الموقفة على المجاهدين وأهل الشرف بالحرمين وأموالاً يعود نفعها على جميع المسلمين، فأرضى بها الكاتب والحاجب والخادم، فأكل الحرام وأطعم الحرام، وكثر الداعي عليه، فالويل لِمَن أورثه علمه هذه الأخلاق هذا العلم الذي استعاذ منه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمر أن يستعاذ منه، وهذا العلم الذي قال فيه- عليه الصلاة والسلام-: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِلْمِهِ)” انتهى نقله. قلت، هذا الحديث ضعيف، قال الحافظ العراقي: ” رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد ضَعِيف.”، قلت: وذلك لفرد عثمان بن مقسم بروايته وهو راو متروك. ثم أتي الشيخ رحمه الله بحديث رسول الله ﷺ الصحيح، إذ قال: (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) [رواه مسلم في صحيحه برقم 2722]

وقد يصل بالمرء حب الشرف إلى أمور أخطر من ذلك، للتأمر على الناس، وأن يحتاح الناس إليه، أو يتذللوا له، بل قد يفعل أفعالا يحيج بها الناس إلى نفسه، ليتعاظم عليهم، وهذا نوع من التطاول على ربوبية الله تعالى وإلهيته، فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾، فهذا الفاعل قد يقع في الشرك من هذه الحيثية.

كذلك فان هذا الشخص سيلتمس مدائح الناس، بشتى الطرق، حتى لو لجأ إلى الخداع وإلى إظهار خلاف ما يُبطن، ولقد قال تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.

وهذا كله مخالف لشرع الله تعالى، فإن الله تعالى جعل الولاية منصبًا صحبه مكلف بإقامة شرع الله تعالى، وإحقاق الحق، والقيام بشؤون الرعية، والنصح لهم، قال ربنا: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ۝ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وكان الرسول ﷺ يأبى ويحذر من أن يرفعه أحد إلى غير منزلته البشرية، فقد قال: (لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ) رواه البخاري برقم 3445. فالذين اهتدوا بهديه وخلفواه بإحسان كانوا من أبعد الناس عن تعظيم أنفسهم، بل كانوا يدعون على تعظيم الله ذو الجلال والإكرام. وكان منهم من يتولى القضاء، لا يتولاه إلا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وتجد الرّسل والصالحين يؤذون في الله، ويتحملون المشقة في ذلك، بل قد يتلذذون بما يصيبهم لأنه أصابهم في الله، وهذا ضد ما يريده أهل الدنيا.

 

النوع الثاني:

طلب الشرف عند الله والفضل عنده على الناس بالدين، كالزهد والورع والعلم والعمل، وهذا محمود.  أما لو  طلب به شيئًا من متاع الدّنيا الفاني، فهذا نوعان:

الأول: أن يطلب به المال بالأسباب الممنوعة. وهذا الذي جاء فيه قول رسول الله ﷺ: (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ – عز وجل – لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [رواه أبو داود 3664، ووابن ماجه 252، وصححه الألباني]، ووجه هذا أن في الدنيا جنّة، وهي جنّة معرفة الله تعالى وطاعته، والتي يبتغي العبد بها جنّة الآخرة، فمن لم يدخلها في الدنيا، لم يجد ريح جنّة الآخرة، بل كان هو الذي باع دنياه بآخرته. ولهذا عاب أبو سليمان الدارني على من لبس عباءة وكان في قلبه شهوة من شهوات الدنيا تفوق قيمة تلك العباءة.

 

والثاني: أن يطلب العلم، ويظهر الورع لينال بذلك الرياسة على الخلق، ويتعاظم عليهم، ويجعلهم منقادين له، فهذا متكبر، وهذا قبيح منه جدًا، إذ استعمل في غايته الرخيصة هذا وسيلةً الأصل فيها أنها وسيلةٌ للآخرة، وهو استخدمها لغرض رخيص في الدنيا. قال رسول الله ﷺ: (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ) [رواه الترمذي برقم 2654، وابن ماجه برقم 253، وصححه الالباني]. وقال ﷺ: (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ) [رواه مسلم برقم 1905]

ومن هذا الباب كره السلف الصالح الجرأة على الفتيا، وقيل “أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار”، وَعَنْ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: (لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ الْأَنْصَارِ , وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ , إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ , وَلَا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا , إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا) [رواه الدارمي 153 وصححه حسين سليم أسد]. وقال الإمام أحمد: “من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم , إلا أنه قد تجيء الضرورة ” قال الحسن : إن تركناهم وكلناهم إلى عي شديد , فإنما تكلم القوم على هذا , وكان قوم يرون أنهم أكثر من غيرهم فتكلموا , قيل لأبي عبد الله : فأيما أفضل الكلام أو الإمساك ؟ قال : ” الإمساك أحب إلي لا شك ” , قيل له : فإذا كانت الضرورة ؟ فجعل يقول : ” الضرورة الضرورة ” وقال : ” الإمساك أسلم له ” قلت : الإمساك أقرب إلى السلامة , لكن ما يجوزه المجتهد إذا نصح وبذل مجهوده في طلب الحق من الفضل وعظيم الثواب والأجر أولى ما رغب فيه الراغبون , وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [انتهى من الفقيه والمتفقه، رقم 642].

 

ومما كرهه السلف: الدخول على الامراء، والتّقرب منهم، فيتقرب المرء بعلمه إليهم لينال الشّرف عندهم، و عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ تِسْعَةٌ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعَةٌ، أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْآخَرُ مِنَ الْعَجَمِ، فَقَالَ: (اسْمَعُوا، هَلْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ) [رواه النسائي برقم 4208، والترمذي برقم 2259، وصححه الألباني].

وكان من السلف من ينهى عن الدخول على الأمراء لمن أراد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وممن نهى عن ذلك: عمر بن عبد العزيز، وابن المبارك، والثوري، وقال ابن المبارك: (ليس الآمر الناهي عندنا من دخل على الملوك فأمرهم ونهاهم، وإنما الآمر الناهي من اعتزلهم)، وسبب هذا أن الرجل قد تُخيل له نفسُه أنه إذا دخل عليهم سيأمرهم وينهاهم ويغلظ عليهم، فإذا دخل فربما هابهم، او سولت له نفسه التّقرب منهم، خاصّة إذا أغدقوا عليه وأكرموه.

 

ومن هذه المخاطر: اشتهار المرء بين الناس بالزهد والتّدين، حتى يقصده الناس ويطلبون بركته، ويقبلون يده، وهو راض سعيد بذلك. أما السلف فكانوا لا يحبون الشهرة ويبعدون عنها ويسرون أعمالهم عن الناس.

وهنا يُنتبه إلى أن المرء قد يذم نفسه أمام الناس، يريد أن يُطهِر لهم التواضع، فيمدحونه زيادة، وهذا باب من أبواب الرياء خطير.

 

وسبب الكبر والحسد أن النفس تحب الرفعة على أبناء جنسها، إلا أن العاقل ينافس على العقلو الحقيقي عند الله، وليس على متاع الدنيا الفاني الذي فيه سخط الله، ويلحقه عقاب منه، قال الله تعالى ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ۝ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ۝ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ۝ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. أما الرفعة في الدّنيا فينبغي للمرئ الزهد فيها، وذلك لأسباب:

منها: سوء العاقبة لمن تولى الولاية ولم يقم بحقها.

ومنها: سوء عاقبة المتكبرين، إذ قال رسول الله ﷺ : (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ) [رواه الترمذي برقم 2492 وحسّنه الألباني]

ومنها: رفعة منزلة المتواضعين عند الله.

ومنها: ما يهبه الله للزهاد من شرف التّقوى، وحلاوة الإيمان، التي لا يذوقها الملوك ولا الرؤساء. وقد ورد عن اهل العلم من أمثلة ذلك الكثير.

وقد كتب وهب بن منبه إلى مكحول الدمشقي: “أما بعد فقد أصبت بظاهر علمك عند الناس منزلة وشرفًا، فاطلب بباطن علمك منزلة وزلفى، وأعلم أن إحدى المنزلتين تمنع الأخرى” انتهى.

ومعناه أن العلم الظاهر من التحديث والوعظ، ينال به المرء المنزلة عند الناس، والعلم الباطن هو عمل القلوب، من خشية لله، وتعظيم له، ينال به المرء المنزلة عند الله، ويزهّده في الدنيا، فإن اشتغل بحفظ منزلته الدنيويّة؛ فوّت المنزلة في الآخرة، فقد يحتاج إلى مخالفة الشريعة أحيانًا لإرضاء شريحة من الناس، بينما من انشغل بعمل القلب انشغل عن إرضاء الناس، والاشتغال بالمنزلة عندهم، ومع انشغاله عن ذلك فإن الله يهب له المنزلة في قلوب الخلق، وإن كان يهرب منها، قال ربنا الكريم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾، وقال نبيه ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ) [رواه البخاري برقم 7485، ومسلم برقم 2637).

 

وبما سبق يتبين لنا معنى حديث الرسول ﷺ، وكيف أن حب المال والشّرف يفسد على الإنسان دينه، وصار عندنا تصور لكيفيّة هذا الأمر، فينبغي العمل بمقتضى هذا الكلام النّبوي العظيم، فيجعل المؤمن جهده وقلبه منصبًا على التعلّق بالله تعالى، والرّغبة بما عنده جل وعلا، والعمل لنيل الدرجات في الدار الآخرة، وأنّ هذا أولى ما يشغل الإنسان به نفسه، وإن كان هذا ولا بد يجعل به الله لذلك العبد المنزلة في الدّنيا، وإن كان لا يريدها ولا يحرص عليها.

 

والصلاة والسلام على محمد وآل محمد

والحمد لله رب العالمين

شاهد أيضاً

دورة فقه الصيام

انقر على الاشارة البرتقالية لتحميل الملف. (لم يكتمل رفع الملفات بعد) يمكنكم مشاهدتها على يوتيوب …