الرئيسية » مقالات عامة » تَفَقُّهُ الرِّعَاعِ فَسَادُ الدِّينِ، وَتَفَقُّهُ السَّفِلَةِ فَسَادُ الدُّنْيَا

تَفَقُّهُ الرِّعَاعِ فَسَادُ الدِّينِ، وَتَفَقُّهُ السَّفِلَةِ فَسَادُ الدُّنْيَا

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

قال ربنا تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ}، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ۝ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ}

وقيل لرسوله الكريم ﷺ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: “إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ“، قِيلَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا ظَهَرَ الْإِدْهَانُ فِي خِيَارِكُمْ , وَالْفَاحِشَةُ فِي شِرَارِكُمْ , وَتَحَوَّلَ الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ , وَالْفِقْهُ فِي أَرْذَالِكُمْ“) [حسّنه العراقي في تخريج الإحياء ج1 ص148]

كان سفيان الثوري (إِذَا رَأَى هَؤُلَاءِ النَّبَطَ يَكْتُبُونَ الْعِلْمَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: [القائل الفريابي] يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَ هَؤُلَاءَ يَكْتُبُونَ الْعِلْمَ يَشْتَدُّ عَلَيْكَ فَقَالَ: “كَانَ الْعِلْمُ فِي الْعَرَبِ وَفِي سَادَةِ النَّاسِ فَإِذَا خَرَجَ عَنْهُمْ وَصَارَ إِلَى هَؤُلَاءِ يَعْنِي النَّبَطَ وَالسَّفِلَةُ غُيِّرَ الدِّينُ“) [جامع بيان العلم وفضله 108] وقوله “فِي الْعَرَبِ” ليس لا يقصد به حصر العلم بالعرب من حيث العِرق، وإنما لأجل اللغة، إذ أن القرآن والسنّة باللغة العربيّة، فمن لا يفهم العربيّة لن يفهمها، حتى لو كان من أبناء العرب، فاليوم هناك من أبناء العرب من لا يعرف لغة العرب، فلا يعرف الفرق في المعنى بين (رأى أحمد رجُلان) وبين (رأى أحمد رجُلين) مع أن الفرق كبير في المعنى، ولا يعرف معنى قول ربه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} وهذا أمر له من ربه، بل ولا معنى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، ولا معنى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، فهذا أعجميٌّ وإن كان من أبناء العرب، ومن أتقن اللغة كان كالعرب الحقيين في ذلك. ولهذا نجد الحسن البصري يقول لبعض المبتدعة: (أَهْلَكَتْهُمُ الْعُجْمَةُ) [خلق أفعال العباد ص106]، وقال أبو عمر بن العلاء لمبتدعٍ: (مِنْ قِبَلِ الْعُجْمَةِ أُتِيتَ) [شعب الإيمان 294]

 

قال بعض السلف عن الخوارج: (ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا)

هذا حال أهل البدع لكونهم يأخذون بأطراف العلوم فلا يستوعبونها، ويقرأون آحاد النصوص فلا يفقهونها، وهذا معنى قول الرسول ﷺ: (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم) فلا يدخل إلى القلب ليُستوعب ويُفهم، وإنما هي نصوص تدخل من الأذن وتخرج من اللسان دون مرور بنظر وفكر وفهم موافق للشريعة، وإنما يأخذون نصًا يَفهَمونه أو يُفّهَّمونه على غير وجهه، فيرددونه لشتم العلماء وإظهار الرّفعة بين السّفهاء، وإحلال الحرام، وتحريم الحلال بما يوافق الهوى. وهو ليس عنده أدوات لفهم الدليل، فلا يعرف معاني الألفاظ، ولا دلالات الألفاظ، ولا مراتب الدلالات، ولا مراتب الأدلّة، ولا الناسخ والمنسوخ، ولا الخاص والعام، ولا المجمل والمبيّن، ولا المتشابه والمٌحكم، ولا مراتب الإجماع، ولا أركان القياس وصوره، ولا ما يجوز فيه القياس ولا ما لا يجوز، ولا غير ذلك من أدوات لفهم النّص.

فيقرأ أحدهم النص لا يفهم كلماته، ولا يفقه مراد قائله، ولا يعرضه على عمومات الشريعة ليفهمه وفقها، فهو بالأصل لا يعرفها! ولا يجمعه مع النصوص الأخرى التي في مثل موضوعه ليخرج بمعنى صحيح مكتمل. كيف يجمعه مع غيره وغالبهم لا يعرف ما في القرآن جيدًا، ولم يقرأ تفسيرًا كاملًا للقرآن من تفاسير أهل الأثر، ولم يقرأ الصحيحين ولا باقي الكتب الستّة على الأقل -ولم أذكر المسانيد الأخرى التي قد لا يكون سمع بأسمائها- لم يقرأ ذلك حتى تكون عنده نصوص يجمعها ليعرف منها أحكام الدين.

بل ولو وجد النصوص فلا يفهمها! كيف يفهمها وهو إن سُئِل عن الفرق بين العام والمُطلق لم يعرف، وإن سألته ما تنقيح المناط وتحقيق المناط لم يفهم كلامك، فيُطلق الأحكام بالهوى وما تشتهيه نفسه ويردد نصوصًا قد تكون بعكس مراده، حتى أن العاقل يستحي من مجالسته، فضلا عن مناقشته. والمشكلة أن صوت مثل هذا الصنف من النّاس عالٍ، وكلامهم كثير، وحبهم للجدل كبير، ويتهمون بالجهل والحمق ومخالفة الشريعة كل صغير وكبير. وتجد شغلهم الشاغل إضلال العوام الذين عندهم القابلية لتصديق كل متكلم، والعدوان على علماء الإسلام وطلاب العلم بجهلهم الذي ظنّوه علمًا. ومن نأى بنفسه عن مماراتهم؛ قالوا أنه خاف منهم، ومن نصحهم بالتّعلم، ظنوا أنهم أعلم منه ومن أهل ملّته كلهم، ومن أجابهم خاطبوه خطاب الند للند، وسخروا منه، ولم يفهموا كلامه، وردوا عليه بما وجدوه في “جوجل” مما يؤيد كلامهم، صحيحًا كان أو خاطئَا. ولهذا كما روي عن مكحول الدمشقي أنه قال: (تَفَقُّهُ الرِّعَاعِ فَسَادُ الدِّينِ، وَتَفَقُّهُ السَّفِلَةِ فَسَادُ الدُّنْيَا) [جامع بيان العلم وفضله 107]، فيفسدون الدين بنشر الشبهات، ونشر الجّهل، ويفسدون الدّنيا بزرع الفرقة والعداوة بين المسلمين، أو بالقتل وسفك الدّماء إن كان لهم قوّة وكل هذا باسم الدّين. فهؤلاء حقيقة يبدلون أحكام الدّين بجهلهم وجرأتهم، ولهذا نجد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ ، فَإِذَا أَخَذُوهُ عَنْ أَصَاغِرِهِمْ ، وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا) [جامع بيان العلم وفضله 690]

وبالجملة فهم يقفون حجر عثرة في طريق العوام الباحثين عن الحق، وأهل الدين القائلين له، وفي طريق طلاب العلم، يصدونهم عن الحق ويزينون لهم الباطل، ويشغلونهم بسفاسف الأمور. وتجد دعوتهم منصبة على تفرقة المسلمين، فيدعون إلى جماعات وأحزاب، ومنهم من يدعو إلى حزبه الذي قد يلبس لباس نبذ التّحزّب. كلٌ يدعو إلى مفارقة جماعة المسلمين ويدعو الناس ليكونوا من حزبه، قال شيخ الإسلام: (وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ دِينُهُمْ الْمُعَظَّمُ مُفَارَقَةُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) وأكثر المبتدعة والرعاع ينطبق عليهم هذا، وهذا قد حذّر الله منه فقال: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، بل أمر بالبراءة من هذا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}.

وهذه الدعوات إذا ما وافقت قلبا خاليًا أسرته، وعقلا خاويًا ملأته، فقال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ} فما عاد هذا الشخص يدرك الحق، وإنما يدرك ما يريد هو، او ما تريد جماعته، فلا تجده إلا مرددا لما سمع من حزبه، او شاتمًا لغيره، وإذا عرض عليه الحق أبى واستكبر.
فهذا في عموم قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}

 
والله وليّنا
والحمد لله رب العالمين
 

شاهد أيضاً

فضل السنن والمستحبّات

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: الواجب والمستحب يشتركان في حصول …