الرئيسية » بحوث ومقالات » الصيام » من أفطر دون عذر في رمضان هل يجوز له القضاء؟

من أفطر دون عذر في رمضان هل يجوز له القضاء؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
 
فإن هذا البحث المختصر أريد من خلاله الوصول إلى الحق في مسألة قضاء صيام من أفطر عمدًا من غير عذر في رمضان، فقد قال فريق من العلماء بأنّه يقضيه وليس عيه كفارة إذا أفطر بغير الجماع، وعند البحث في المسألة وجدت هذا القول ضعيفًا، ولا يستقيم القول إلا بالكفارة كما قال فريق من أهل العلم، أو بامتناع القضاء في حقه كما ورد عن بعض الصحابة وقال به الظاهرية. وبالأول أقول.
وبين يدي النظر في الأدلّة أقدّم مقدّمتين:
أولًا: القضاء دون كفارة لمن أفطر متعمدًا بغير عذر لم أعثر على أي دليل صريح فيه. بل ولا غير صريح كما سأبيّن بإذن الله. 
ثانيًا: القول بالقضاء يعني أن من قضى الصيام فقد أدّى ما عليه، فلا يلقى الله عاصيًا من ناحية تفويت يوم كان مأمورًا بصيامه، وإنما يلقى الله وقد أتمّ صيامه بالرغم من أنه ترك ذلك اليوم عامدًا بغير عذر. وعليه فيؤدي هذا القول إلى القول ببراءة ذمته سواء صام في رمضان أو في غيره.
ولأجل هاتين المقدمتين قلنا أن المشروع في حقه الكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يقدر فصيام ستين يومًا، فإن لم يقدر فطعام ستين مسكينًا، فإن لم يقدر صام يومًا. وبه قال عطاء، والحسن، والزهري، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي [انظر: الإشراف لابن المنذر ج3 ص128] ولا يصح القول بأنه يجوز لله القضاء مستقلًّا، على ما سيأتي من تقرير.
 

أدلّة المجيزين للقضاء ومناقشتها:

 
1- حديث: (من استقاء فليقض) قالوا أنّ هذا استقاء متعمّدًا، ومع ذلك أمره الرسول ﷺ بالقضاء، فاستدلوا به على قضاء من أفطر متعمدا للفطر حتى لو أفطر بغير تعمد القيء.
والجواب أن هذا لا دلالة فيه لأنّ ذلك في المريض، لأن الصحيح لا يستقيء، ولا يُمكن أن يحدث من عاقل معافى أن يستقيء من غير مرض، وإلا لاتُّهم في عقله. والمريض أباح الله له الإفطار والقضاء في كتابه. بالتالي لا يصح الاستدلال بهذا على من أفطر متعمدًا بغير عذر.
 
2- (القياس على المعذور) قاسوا غير المعذور على المعذور، فقالوا إذا كان الله أمر المعذور بالقضاء فغير المعذور يقضي أيضًا.
والجواب: أن هذا قياس مع الفارق، إذ كيف يُقاس النقيض على نقيضه، فالمعذور نقيض المتعمد بلا عذر.
فإن قيل أن هذا قياس الاولى، بحيث إن ثبت القضاء للمعذور فمن باب الأولى أن الذي لا عذر له يجب عليه ذلك.
فالجواب: أن المعذور لكونه معذورًا فقد شرع الله له القضاء لتبرأ به ذمته، أما غير المعذور فليس أولى من المعذور في براءة الذمة، ولا يستويان، فالمعذور خفف الله عليه بأن أباح له تأجيل الصيام، أما غير المعذور فلا يستحقُّ هذا التخفيف بالنص، ولا بالعقل، فلا يعتبر القياس حينئذ صحيحًا.
 
3- (حديث الذي أتى امرأته متعمدًا في نهار رمضان) ورد حديث صحيح في رجل جامع امرأته في نهار رمضان فأتى رسولَ الله ﷺ، فأمره رسولُ الله ﷺ بالكفّارة، وهي عتق رقبه، فإن لم يستطع فصيام ستين يومًا، فإن لم يستطع فإطعام ستّين مسكينًا. 
فاستدلّوا به بأن إحدى الروايات فيها أن رسول الله ﷺ قال له (صم يومًا مكانه

تخريجها

تخريجها

وهذه الزيادة رواها ابن ماجه [1671]، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ [الأيلي] قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وعبد الجبار ضعيف [انظر ميزان الاعتدال 4743] ومن طريقه رواها البيهقي في الكبرى [8318]، وقال: (وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ الأَيْلِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ وَلَيْسَ بِالْقَوِىِّ)
 
ورواها البيهقي [8061] من طريق (أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الزُّبَيْرِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) وأبو حسن الأصبهاني لم أجد له توثيقًا، أما هشام بن سعد ضعيف [انظر ميزان الاعتدال 9224، والكامل 2025]، وقال ابن عبد البر: (وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ) [التمهيد ج7 ص168]، وقال البيهقي [في الكبرى 8317] (وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ إِلاَّ أَنَّهُ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ فِى إِسْنَادِهِ فَقَالَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) ثم رواه بهذا الإسناد
ورواها البيهقي في الكبرى [8312] من طريق أبي أويس المدني عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة
ورواها أبو عوانه في مستخرجه [2859] من طريق: (أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ [ أبو إسحاق المدنى ت 185]، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [الزهري]، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأبو مروان العثماني يروي المناكير [انظر ميزان الاعتدال 7928]، ومن طريق أبي مروان رواه البيهقي في الكبرى [8311]
ثم قال أبو عوانة: (قَالَ عُثْمَانُ: وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ [الضبي ت 225]، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرْ: يَوْمًا مَكَانَهُ،
قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ، وَمَعْمَرٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَمَنْصُورٌ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَاللَّيْثُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعُقَيْلٌ، كُلُّهُمْ شَبِيهًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ [يعني دون الزيادة]،
إِلَّا أَنَّ هِشَامَ بْنَ سَعْدٍ [ذكرنا ضعفه] قَالَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: وَقَالَ: «صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ»
وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ [الأيلي، وقد ذكرت ضعفه]، عَنْ حُمَيْدٍ، بِمِثْلِ مَا قَالُوا، وَزَادَ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» وَكَذَلِكَ قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: «صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» [وهذه سأبين ضعفها]
وَخَالَفَهُمْ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكٌ فِي اللَّفْظِ فَقَالَا: «أَعْتِقْ وَأَطْعِمْ أَوْ صُمْ» [يعني لم يذكرا القضاء. أما قول “صم” فهو للكفارة])
 
وروي الحديث مختصرًا عند أبن أبي شيبة [9774] ولكنه مرسل ورجاله ليسوا بأقوياء.
 
ورواه ايضا برقم [9787] قال: (حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..) وأبو خالد الأحمر ضعيف [انظر ميزان الاعتدال 3443، والكامل في الضعفاء 750]، والحجاج بن أرطاة ضعيف [انظر ميزان الاعتدال 1726، وجامع التحصيل123] ومن طريقه رواها البيهقي في الكبرى [8316]
 
ورواه عبد الرزاق في المصنف [7462] عن نافع بن جبير مرسلًا
ورواه البيهقي في الكبرى [8318] أيضًا عن سعيد مرسلا
 
وقد تبيّن لي بعد جمع الطّرق أنّ الزّيادة مقبولة وليست ضعيفة، وقال ابن حجر [الفتح ج4 ص172]: “وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا”
 
وعليه أقول: من قال بأن المفطر بغير عذر، بجماع أو غيره عليه الكفارة كما على المُجامع، فهذا الحديث حجّة له إذا قال أنّ المفطر عمدً بلا عذر عجز عن الكفّارة فعليه القضاء، فهذا قول سليم.
أما من فرّق بين من أفطر بالجماع، ومن أفطر بغيره، فلا حُجّة له بهذا الحديث.

 

4- احتجّوا (بالإجماع) وهذا الإجماع نقله عدد من العلماء كالشاشي في حلية العلماء ج3 ص165، والنووي في المهذب ج1 ص183، وابن قدامة في المغني ج3 ص114، والمَحلي في مزيد النعمة ص239 والطحاوي في الاختلاف ج1 ص238

وهذا لو صحّ لكان حُجّة قاطعة للمخالف، إلا أنّ الذين نقلوا الإجماع إما أنّهم لم يعتدّوا بقول الظاهريّة أو لم يعلموه، فالظّاهريّة لم يقولوا بالقضاء، فكان الإجماع منقوضًا فلا حُجّة فيه. كما ينقضه قول من قال بأن عليه الكفارة ولا قضاء عليه معها

وإليك قول ابن حزم في المحلى: “فَمَنْ تَعَمَّدَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَقَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ إنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ، إلَّا فِي تَعَمُّدِ الْقَيْءِ خَاصَّةً فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فِي تَعَمُّدِ الْقَيْءِ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسْأَلَتَيْنِ؛ وَلَمْ يَأْتِ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ بِالتَّعَمُّدِ لِلْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ أَوْ الْوَطْءِ: نَصٌّ بِإِيجَابِ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا افْتَرَضَ تَعَالَى رَمَضَانَ لَا غَيْرَهُ” [المحلى ج4 ص308]

ونقل البخاري ذلك عن أصحاب النبي معلّقًا، فقال: وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلاَ مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ» وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ .انتهى كلامه. قلت [محمد]: أما الاسناد إلى أبي هريرة لم يجزم به البخاري، ولا يصح بسبب ابي المطوس وهو مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حِبّان، ولا يعتمد على هذا التّوثيق، أما عن ابن مسعود فقد جزم به البخاري.

نقل ابن عبد البر في الاستذكار [ج3 ص314] عن ابن عباس فيمن أفطر في أكل أو شرب متعمدا: “وعن ابن عَبَّاسٍ قَالَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صَوْمُ شهر أو إطعام ثلاثين مسكينا” قلت [محمد]: ولم يذكر قضاءً.
فلا يصح هذا الإجماع.

كما ان ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وهو ممن نقل الإجماع على وجوب القضاء، نقل الخلاف، ففي قضاء من أفطر متعمدا في الجماع فقال: “وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ الْكَفَّارَةِ” الاستذكار [ج3 ص312] وهذا المُجامع أفطر متعمدًا فثبت الخلاف في قضائه، وهو نفسه الذي في حديثه الحجة الوحيدة التي قد يُستدل بها على القضاء.
 
فنخلص إلى أن من ساوى بين المفطر بجماع والمفطر بطعام أو شراب، فله أن يقول بالقضاء لمن عجز عن الكفارة للدليل، وأما من لم يساوي بينهما فلا دليل له من كتاب ولا سنّة ولا إجماع صحبح، ولا قياس صحيح، فليس له القول بالقضاء.
 

وأما هل يستوى المفطر بجماع مع المفطر بغير جماع، أم لا؟ الذي أميل إليه هو استواءهما.

أما الذين فرّقوا بينهما فليس لهم دليل من جهة النص، ومما احتجوا به أن النص كان في المجامع، فنردّ هذا بانّ النص في من تعمّد الفطر، وفي هذا رد على من اعترض منهم علينا بقوله أن القياس هنا لا يصح، فمع انه يصح، إلا أن قولنا هذا ليس قياسًا وإنما هو تنقيح المناط.

إلا أن معهم قول صحابة، فلا نقلل من قولهم، وشبيه بقولنا قال ابن عباس رضي الله عنه، إلا أنه جعل الصيام شهرًا، والإطعام ثلاثين، ولو كان قوله مرفوعا لذكر ذلك خاصة مع وجود المخالف له، وقال بقولنا عدد من التابعين، والمسألة فيها أقوال عدة عن الصحابة والتابعين، فوجب رد المسألة إلى النص، والنص ليس فيه دلالة على تخصيص المجامع، او التفريق بينه وبين الآكل أو الشارب، وبهذ قال عدد من التابعين، وبه نقول.

 

والله أعلم

 والحمد لله رب العالمين