الرئيسية » بحوث ومقالات » مسائل معاصرة » حكم التحزب في الاسلام

حكم التحزب في الاسلام

الحمد لله والصّلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال الفراهيدي: “وتَحَزَّبَ القَومُ: تَجَمَّعوا. وحَزَّبْتُ أحزاباً: جَمَّعْتُهم. والحِزْبُ: أصحابُ الرجل على رَأْيه وأَمِره”، وقال: “وكلُّ طائفةٍ تكون أهواؤهم واحدة فهم حزبٌ”

وقال ابن منظور: “الحِزْبُ: جَماعةُ الناسِ، والجمع أَحْزابٌ”، وقال: وحِزْبُ الرجل: “أَصْحابُه وجُنْدُه الذين على رأْيِه“، وقال: “وكل قوم تَشاكَلَتْ قُلُوبهُم وأَعْمالُهم فهم أَحْزابٌ، وإِن لم يَلْقَ بعضُهم بَعْضاً“، وقال: “وكل حِزْبٍ بما لَدَيْهم فَرِحُون: كلُّ طائفةٍ هَواهُم واحدٌ“، وقال: “والحِزْبُ الصِّنْفُ من الناس. قال ابن الأَعرابي: الحِزْب: الجَماعةُ.“، وقال: “والحِزْبُ الطَّائفةُ“.

ويقول أبو منصور الماتريدي: “والأحزاب: الفرق، واحدها: حزب، ويقال: حزبت القوم، أي: جمعتهم، وحزبتهم، أي: فرقتهم، وتحزب القوم: إذا اجتمعوا وصاروا حزبًا حزبًا، وتقول: هَؤُلَاءِ حزبي، أي: أصحابي وشيعتي، وتقول: حازبني محازبة، أي: صاحبني مصاحبة.” [التفسير ج3 ص374]

وقال النحّاس: “وتحزّب القوم تجمّعوا” [إعراب القرآن ج4 ص255]

وقال العسكري: “والحزب الْجَمَاعَة تتحزب على الْأَمر أَي تتعاون” [الفروق ج1 ص277]

فالتحزّب بالجملة هو التجمع البدني أو الفكري، وهذا يختلف بحسب صفته.

 

أولا: إن كان ذلك التّحزّب هو تولّي الله ورسوله والذين آمنوا، والبراءة من الكفر وأهله؛ فهذا تحزّب واجب على كل إنسان عاقل بالغ من الإنس والجن، ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56]  قال الفراهيدي: “والمؤمنون حزبُ الله” [العين].
كما يجب التحزّب في الحالات الطارئة التي يكون فيها التحزّب لازمًا لاجتناب الفرقة والاختلاف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ).

 

ثانيًا: قد يكون التحزّب هو موافقة أناس ما بفكرة ما، أو صفة ما، فقد يطلق هذا على أصحاب قول في مسألة فقهيّة، أو مذهب ما، أو يُطلق ذلك على فرقة من فرق الجّيش، وهكذا، قال الزجاج: “يقال منه: قد تحزب القوم إذا صاروا فِرَقاً، جماعةً
كذا وجماعة كذا.” [معاني القرآن ج5 ص141].
وهذا يرجع حكمه إلى حكم هذه الفكرة أو الصّفة التي كان التحزّب عليها، فإن كانت حلالًا فحلال، وإن كانت حرامًا فحرام.
فإن كان التحزّب على الخير فقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، وهذا يُطلق عله تحزبًا كما يقول العسكري “الأحزاب: جمع حزب، وهو: الجماعة المتعاونة، ومنه تحزب القوم إذا اجتمعوا وتعاونوا” [الوجوه والنظائر: ص69]، وإن كان هذا التحزّب للتعاون على الشّر فقد قال ربنا: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } فهذه الطائفة التي تنفر لطرف العلم، يٌطلق عليها في اللغة حزب، كما نقلنا عن الفراهيدي: “والحِزْبُ الصِّنْفُ من الناس” وهذه تحزّبت على خير،وأمر الله بها، وكذلك في قوله تعالى: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ “.
وقد قال تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف:12] فقال المفسرون هم حزبين من المؤمنين، وقيل: الحزب الأول هم أهل الكهف والحزب الثّاني هم أهل المدينة الذين أفاق أهل الكهف في عهدهم، وعلى التّفسيرين لا يُذم هذا التّحزّب. يقول الجصاص “وَالتَّنْبِيهِ أَنَّ اللَّه سَيَنْصُرُهُمْ عَلَى الْكَافِرِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَبَاتِهِمْ وَتَحَزُّبِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ” [أحكام القرآن ج4 ص225] فعندما كان الجامع لهم خير، كان تحزّبهم خير كما في تعبير الجصاص وهو إمام في اللغة. وهذا التحزّب على أصل الاجتماع، وذكر شيخ الإسلام: “عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ} فَأَوْجَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ.” [مجموع الفتاوى ج28 ص390]

 

ثالثًا: قد يكون الحزب هو التفرق الذي يكون بسبب التّعصب الأعمى لفئة بعينها والتّقوقع عليها والانتماء لها دون غيرها من أهل الحق، والانتماء إليها دون المسلمين، والعمل بمدأ “من ليس معي فلا أقبل منه صرفاً ولا عدلاً”، وهذه غالباً ما تتشكل تحت شعارات رنّانة لتدّعي أنّها على الحق، بل قد رأينا بيننا حزبًا يرفع راية نبذ التّحزّب. فهذا التحزّب غير جائز حتى لو كانت الفكرة التي بُني عليها فيها نوع من الحق، لكنّه حُرِّم لأجل التعصّب لغير الحق العام وهو الدين، قال عامر بن ربيعة: “تعدى جناة الشر من بعد إلفه … رجونا وفينا فرقة وتحزّب” [المنمق في أخبار قريش ص310]، وقال ابن قتيبة: “وَقَوله وَاخْتلف الإخوان يُرِيد اخْتِلَاف الْمُسلمين فِي الْفِتَن وتحزبهم وَيكون الِاخْتِلَاف الَّذِي يَقع بَينهم فِي الْأَهْوَاء والبدع حَتَّى يتباغضوا ويتعادوا ويتبرأ بَعضهم من بعض” [غريب الحديث ج1 ص369]

ودليله قوله تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]

 

رابعًا: محاربة الله ورسوله، وهذا يُطلق عليه تحزّب لكونه تجمع على محاربة الله والرسول، كما قال الطبري: “إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان” [تفسير سورة المائدة، الآية 51]

 

هذه الأصناف الأربعة التّي دلّت عليها نصوص القرآن الكريم، وكل أنواع التّحزّبات (التجمّعات) لا تخلو من كونها من هذه الأصناف الثّلاثة، فيُلحق حكمها بحكم الصّنف الأقرب لها.

وقد ذكر شيخ الإسلام الصنفين الثاني والثالث فقال: “وَأَمَّا ” رَأْسُ الْحِزْبِ ” فَإِنَّهُ رَأْسُ الطَّائِفَةِ الَّتِي تَتَحَزَّبُ أَيْ تَصِيرُ حِزْبًا فَإِنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ لَهُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانُوا قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ وَنَقَصُوا مِثْلَ التَّعَصُّبِ لِمَنْ دَخَلَ فِي حِزْبِهِمْ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي حِزْبِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَهَذَا مِنْ التَّفَرُّقِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَمَرَا بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَنَهَيَا عَنْ التَّفْرِقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَأَمَرَا بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَنَهَيَا عَنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.” [مجموع الفتاوى ج11 ص92]

 

والخلاصة: أن التحزّب لا يُذم مُطلقًا ولا يُمدح مُطلقًا، وإنّما ينظر إلى الحزب من حيث سبب وشكل تحزّبه، وهل تحزّبه أثر على التحزّب العام إلى الله ورسوله أم لا.

والله أعلم

والحمد لله رب العالمين

شاهد أيضاً

ما لم لا يلتفت الكثير له في حكم فوائد البنوك

يقول البعض أن الربا في التعاملات البنكيّة سببها أن المودع يأخذ الفوائد من البنك على …