الرئيسية » بحوث ومقالات » العقيدة » قوله تعالى: (وهو معكم اينما كنتم) لا يعني المجاورة المكانيّة والمرافقة

قوله تعالى: (وهو معكم اينما كنتم) لا يعني المجاورة المكانيّة والمرافقة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

يروّج الجهمية شبهةً يستدلون بها على قولهم المنكر الكفري المنافي للكتاب والسنة، والمنتقص من الله تبارك وتعالى، والذي يقولون فيه: “الله في كل مكان”، فيعتقدون أن لهم إله تحت الأحذية وفي مجاري الصرف الصحي، ثم يحاولون الاستدلال على هذا الكفر بقول ربنا: {وهو معكم اينما كنتم}.

فنقول:

الإنسان قبل أن يولد يكون في ماء الرّجل ثم يعيش في رحم المرأة ثم يخرج منه، هل يتصوّر عاقل أنّ هناك إله في هذا الماء، وأنّ هناك إله يدخل ويعيش في رحم المرأة ثم يخرج من السبيل مع المولود !
ولو أن أسداً أكل إنساساً، فهل يظن ظان أن هناك إله سيدخل في أمعاء الأسد مع هذا الإنسان.

كلمة “مع” لا تدل على المجاورة المكانيّة دائماً، أو المرافقة. مثال: الشخص قد يتكلم في الهاتف مع صاحبه الذي في دولة أخرى، فيقول له: “أنا معك”، وهذا مفهوم بالسليقة أن معنى المعيّة هنا أنّ كلامي معك، أو ذهني معك.

مثال آخر: المسلم الذي فس أقصى المغرب يقول: “أنا مع مسلمي بورما”، ولا يوجد عاقل يعترض على قوله فيقول له: “بل أنت في مكان آخر”، لأن المعنى مفهوم؛ أنّ المعية هنا معيّة المناصرة.

فقول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ لا المعيّة المكانيّة، وإنّما لو قرأنا السياق لعرفنا أنّه يتكلّم عن معيّة العلم، فقد قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

 

ثانياً: احتجوا بقول ربنا الكبير المتعال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾، ولا حجّة لهم البتّة في هذا، لا من اللغو، ولا من العُرف. فكون الله إلهًا في الأرض لا يعني أن ذاته في الأرض. وهذه لغة العرب، بل وغير العرب. ألا ترى أن الحاكم يكون في العاصمة، فيصح في اللغة أن نقول أنه الحاكم في العاصمة وفي غير العاصمة، فلا يفهم أي عاقل أن ذلك الشخص موجود في منطقتين. ولو قلنا عمر بن الخطّار رضي الله عنه كان يقيم في المدينة في فترة توليه أمر المسلمين، فمّن كان ولي الأمر في دمشق؟ بالطبع هو عمر نفسه، فهو ولي الأمر في المدينة المنورة وفي دمشق، فهل هذا يعني أنّه موجود مكانيّاً في هذين المكانين؟ لا. فاللغة لا تقتضي هذا. وبنفس السياق اللغوي قال ربنا المجيد: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فهو المعبود في السماء والمعبود في الأرض، هذا الكلام لا يعني مطلقاً أنّه موجود بذاته في السماء والأرض، بل هو الإله المعبود فيهما.

والله أعلم

شاهد أيضاً

سلسلة العقيدة الميسرة

سلسلة العقيدة الميسرة: سلسلة مؤلفة من حلقات قصيرة في أبواب العقيدة المختلفة، مع شرح مختصر …