الرئيسية » بحوث ومقالات » العقيدة » تبسيط ضوابط تكفير المعيّن

تبسيط ضوابط تكفير المعيّن

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلا على رسول اله، وبعد

حتّى نحكم على أن شخص ما بعينه أنه انتقل من الإسلام إلى الكفر؛ علينا أن نمر بثلاث مراحل:

 

المرحلة الأولى: إثبات صفة الكفر في أصل الفعل أو القول.

يعني أن نُثبتَ أن أصل الفعل أو القول الذي وقع فيه الشخ هو كفر بصرف النّظر عن فاعله، فحتى يكون هذا الفعل أو القول مكفّراً يجب أن يثبت ذلك بالدّليل القاطع.

مثال1: هل السحر كفر؟ فنقول: إن السحر كفر لأن الله تعالى قال: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102]. وغيره من الأدلة

مثال2: هل شرب الخمر كفر؟ فنقول ليس بكفر لعدم الدليل على كونه كفرا.

 

المرحلة الثانية: إثبات كون الفعل أو القول الفرعي مندرج تحت الفعل الأصلي المكفّر.

يعني أن الفعل أو القول الذي وقع فيه الشّخص بنفسه يندرج تحت الأصل الذي أثبتنا أنّه كفر.

مثال1: قلنا بأنّ السحر كفر، فهل هذا يشمل -مثلاً- ألعاب الخفّة ؟ المقرر عند أهل العلم أنّ ألعاب الخفّة ليست مِن السّحر المكفر، (لتفصيلٍ ذكره العلماء يمكن اختصاره بقول أنها تعتمد على خفّة اليد وليس الشعوذة)، عموماً الذي يهمنا أنها وإن كانت تشبه السحر، وقد تُسمّى سحراً إلا أنها ليست من السّحر المكفّر، وعليه فلا نكفر مرتكبها.
فهنا فرّقنا بين قولنا (السحر كفر) وبين ألعاب الخفّة التي يُطلق عليها اسم السحر، فلا يُمكن أن نقول عن لاعب الخفّة كافر بلعبها لأن السحر كفر.

مثال2: الاستهزاء بالدين كفر، فإذا قال شخص كلمة فننضر، هل هذه الكلمة تدخل حقًا بالاستهزاء، أم لا تدخل.

 

المرحلة الثّالثة: إثبات كون مرتكب الكفر قد كفر به.

وهذا على ثلاث مراحل:

أولًا: إثبات كونه وقع به فعلًا. وهذا من البديهيًا، فليك كل من قيل أنه فعل أو قال كذا يُكفّر دون إثبات ذلك عليه بالدليل.

ثانيًا: إثبات توفر شرط احتساب الفعل أو القول عليه عند الوقوع به، وهي:

1- البلوغ: وهو بالاحتلام، أو إنبات شعر العانة، أو بلوع خمس عشرة سنة، أو الحيض للنساء.

2- العقل: وهو عدم الجنون أو أحد مراتيه كالسُّكر (على خلاف في السّكر المتعمّد).

ثالثًا: عدم وجود مانع من موانع التكفير، وهي:

1- الجهل المُعجز فيما يُعتبر فيه الجهل: ومعنى مُعجز أي لا مجال للفاعل معه إلى التعلّم. مثلًا: لو أن شخصًا أسلم حديثًا ومارس السحر ولم يلحق أن يتعلم أن ذلك كفر، فهذا مانع له من الكفر. لكن لو فعله بعد سنوات من إسلامه، فهذا لا يُعذر لأن الفرصة كانت سانحة له أن يتعلّم، إلا كان في بلد ليس فيها من يعلمه، ولا يعرف العربية، ولا يستطيع السفر، فهذا يُعذر، لقول الحكيم: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فمن لم تصله دعوة الرسل في الجزئية التي وقع فيها فله حجّة.

2- الخطأ بالقصد: وهو أن يفعل الكفر أو يقول الكفر بالخطأ، مثال: لو أراد أن يُلقي كتابًا في القمامة فحمل المصحف بالخطأ بدلأ منه والقاه في القمامة دون انتباه، فهذا مانع من وقوعه في الكفر.
أو كالذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) وهو أراد أن يقول (انت ربي وأنا عبدك) لكنه أخطأ من شدة الفرح.

3- الإكراه الملجئ: وهو أن يُجبر على فعل الكفر بطريقة لا يستطيع معها الامتناع. مثال: شخص وُضع في قدر كبير واُشعل تحته النار، وقيل له إما أن تنكر ألوهية الله، أو نتركك تُطبَخ في القدر، حينها إذا قال الكفر يُعذر. لكن لو قيل له إن لم تكفر سأصفعك، فهذا ليس إكراهًا، أو قيل له، إن لم تكفر سأقتلك، وهو يعلم ان القائل لن يفعل، فهذا ليس إكراهًا. قال الكريم العظيم: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} [النحل:106]

4- التأويل المُعتبر: وهو أن يقول قولًا مكفِّرًا بتأويلٍ معتبر، والتأويل المعتبر هو ما توافرت فيه أربعة شروط
أ- أن يكون المتأوّل مِن أهل الإجتهاد.
ب- أن يكون تأويله مبنيًا على قرآن أو سنّة صحيحة، وموافقًا للغة العرب.
ج- أن لا يُخالف نصًا صحيحًا صريحًا.
د- أن لا تُقام عليه الحُجّة فيرفضها.
مثال: استحلال قدامة بن مضعون للخمر كان عن تأوّل توافرت فيه الشروط، وتاب منه عند إقامة الحجّة عليه، فلم يكفّره الصحابة بذلك.
لكن من أنكر سنّة النبي لأنها تخالف عقله، أو خالف الأحكام المعلومة المُجمع عليها بتأويلات من عنده وهو ليس من أهل الاجتهاد؛ فهذا لا يُتوقَّف في كفره.

 

ختامًا هناك مسائل:

الأولى: نستنتج مما سبق أن قولنا أن من فعل كذا كفر، فقد يُستثنى من ذلك أشخاص ثبت لهم العذر.

الثانية: قد يُحكم على طائفةٍ بالكفر لاشتهار فعل مكفِّر فيها (كعبادة علي والحسين رضي الله عنهما عند الروافض، او عبادة القبور عند بعض المتصوفة)، وهذا لا منع وجود شخص ينتسب إلى تلك الطائفة ولم يقع بما وقعوا فيه، إلا أن هذا يكون الأصل فيه الكفر إلا إذا بت إيمانه، بينما من لم ينتمي إلى طائفة كافرة، فالأصل فيه الإسلام مالم يثبت كفره.

الثالثة: أن الحُكم على المعيَّن بالكفر على درجات، يتناسب فيها الحاكم والمحكوم طردًا.
فمن قال عن نفسه أنه صار نصرانيًا أو تبرّأ من الإسلام، فهذا يجب على كلّ شخص أن يكفره، ولا يجوز التوقّف في تكفيره، بل قد يكفر من يتوقّف في إكفاره.
ومن سب الله أو الرسول أو الدين هذا يكفره كل شخص ثبت عنده وقوع ذلك الفعل منه، لأن ذلك ليس له عذر إلا أن يُعذر بالخطأ بالقصد أو الإكراه، وهذه أعذار ظاهرة.
أما من وقع بكفرٍ في ثبوته خلاف من حيث كونه كفرًا، أو من حيث وقوع الشخص فيه، فهذا ليس للأفراد الحكم فيه، بل هو مِن شأن القضاة والعلماء.

الرابعة: ينبني على إكفار الشخص أحكامًا تخص العامّة وأحكامًا تخصُّ ولي الأمر.
فما كان للعامة، كعدم تزويجه من مسلمة، وعدم دفنه في مقابر المسلمين، وعدم توريثه أو الإرث منه، أو عدم أكل ذبيحته، فهذه يلتزم بها الناس بحق من ظهر كُفره.
أما الاستتابة والقتل، فهذا حكم خاص لولي الأمر، لا يجوز للعامة فعلها حتى لو ترك الحاكم فعلها، أو لم يكن مسلما، لأن ذلك شأن قضائي.

 

والله أعلم

والحمد لله رب العالمين

شاهد أيضاً

سلسلة العقيدة الميسرة

سلسلة العقيدة الميسرة: سلسلة مؤلفة من حلقات قصيرة في أبواب العقيدة المختلفة، مع شرح مختصر …